ملا محمد مهدي النراقي

151

جامع السعادات

فماذا ينفع الحسد الحاسد ، وماذا يضر المحسود الحسد . والحسد أصله من عمى القلب والجحود بفضل الله تعالى ، وهما جناحان للكفر ، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد ، وهلك مهلكا لا ينجو منه أبدا ، ولا توبة للحاسد ، لأنه مصر عليه معتقد به مطبوع فيه ، يبدوا بلا معارض به ولا سبب ، والطبع لا يتغير عن الأصل ، وإن عولج " ( 6 ) . وقال بعض الحكماء : " الحسد جرح لا يبرأ " . وقال بعض العقلاء : " ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ، إنه يرى النعمة عليك نقمة عليه " . وقال بعض الأكابر : " الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا ، ولا من الملائكة إلا لعنة وبغضا ، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما ، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولا ، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا " . والأخبار والآثار في ذم الحسد أكثر من أن تحصى ، وما ذكرناه يكفي لطالب الحق . ثم ينبغي أن يعلم أنه إذا أصاب النعمة كافر أو فاجر وهو يستعين بها على تهيج الفتنة وإيذاء الخلق وإفساد ذات البين ، فلا مانع من كراهتها عليه وحب زوالها منه ، من حيث إنها آلة للفساد لا من حيث إنها نعمة . فصل المنافسة والغبطة قد علمت أن المنافسة هي تمني مثل ما للمغبوط ، من غير أن يريد زواله عنه ، وليست مذمومة ، بل هي في الواجب واجبه ، وفي المندوب مندوبة ، وفي المباح مباحه . قال الله سبحانه : " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " ( 7 ) . وعليها يحمل قول النبي ( ص ) : " لا حسد إلا في اثنين : رجل آتاه الله مالا ، فسلطه على ملكه في الحق . ورجل آتاه الله علما ، فهو يعمل به ويعلمه الناس " : أي لا غبطة إلا في ذلك ، سميت الغبطة حسدا كما يسمى الحسد منافسة ، اتساعا لمقارنتهما . وسبب الغبطة حب النعمة التي للمغبوط ، فإن كانت أمرا دينيا فسببها حب الله وحب طاعته ، وإن كانت دنيوية فسببها

--> ( 6 ) هذ الخبر في ( مصباح الشريعة ) : الباب 51 ، وصححناه عليه . ( 7 ) المطففين ، الآية : 26 .